تواجه المؤسسات الصحفية المستقلة في مصر، منذ سنوات، مأزقًا قانونيًا وإداريًا؛ إذ تقدمت بطلبات للحصول على التراخيص، وقدمت جميع المستندات المطلوبة وسددت الرسوم المقررة، لكنها لم تتلقَّ أي رد من الجهات المختصة. واليوم، تواجه بعض هذه المؤسسات ملاحقات جنائية بسبب غياب التراخيص نفسها التي أمضت سنوات في محاولة الحصول عليها، وفقًا لما ترصده الصحفية منى محمد في تقريرها.
وفي تقرير نشره موقع «المنصة»، تسلط منى محمد الضوء على قضية موقع «مدى مصر»، أحد أبرز المواقع الإخبارية المستقلة في البلاد، والتي أعادت فتح النقاش حول أزمة تراخيص المواقع الصحفية، ودَفعت إلى تحركات قانونية ونقابية لتسوية أوضاع المواقع العالقة، والطعن على الملاحقات القضائية المرتبطة بممارسة العمل الصحفي دون ترخيص.
وكان «مدى مصر» قد تقدم بطلب الترخيص للمرة الأولى عام 2018، بموجب قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكنه لم يتلقَّ أي رد. ثم قدم الموقع طلبًا ثانيًا عام 2020، عقب صدور اللائحة التنفيذية للقانون، دون أن يحصل على إجابة أيضًا.
لكن الدائرة التاسعة بمحكمة جنح القاهرة الجديدة أصدرت، يوم الثلاثاء 27 أكتوبر، حكمًا بتغريم لينا عطا الله، رئيسة تحرير الموقع، 3 ملايين جنيه مصري، أي ما يعادل نحو 54 ألف دولار، مع حبسها لحين سداد الغرامة. كما قضت المحكمة بغلق موقع «مدى مصر» ومصادرة معداته وأجهزته.
وتتعلق القضية، المقيدة برقم 11743 لسنة 2026، باتهامات «إنشاء وإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص». ويضع الحكم المؤسسات الصحفية أمام مسؤولية جنائية بسبب عدم حصولها على تراخيص ظلت الجهات المعنية نفسها عاجزة عن حسم طلباتها لسنوات.
«مدى مصر» ليس الموقع الوحيد العالق في أزمة التراخيص
لا يواجه «مدى مصر» وحده هذه المشكلة؛ إذ يعاني موقعا «المنصة» و«فكر تاني» أيضًا صعوبة الحصول على قرارات نهائية بشأن طلبات الترخيص، رغم محاولاتهما المتكررة لاستيفاء المتطلبات التنظيمية.
وفي يونيو 2020، اقتحمت قوات الأمن مقر موقع «المنصة»، وألقت القبض على رئيسة تحريره نورا يونس. واحتُجزت يونس ليلتين في قسم شرطة المعادي، قبل أن تحقق معها النيابة بتهمة إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، ثم أخلت سبيلها بكفالة قدرها 10 آلاف جنيه.
وكان الموقع قد تقدم بطلب للحصول على الترخيص في أكتوبر 2018، بالتزامن مع إنشاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وإسناد مسؤولية ترخيص المواقع الإخبارية إليه. وسدد الموقع الرسوم المطلوبة، لكنه لم يتلقَّ أي رد.
وفي أغسطس 2020، طلب المجلس من المواقع التي سبق أن تقدمت بطلبات ترخيص إعادة تقديمها باستخدام نماذج محدثة صدرت بموجب اللائحة التنفيذية للقانون، فاستجاب «المنصة» للطلب، ولا يزال ينتظر قرارًا نهائيًا بشأن وضعه القانوني.
وعاش موقع «فكر تاني» تجربة مشابهة.
وقال محمد صلاح، رئيس الشركة المشغلة للموقع، إن الشركة تأسست في مارس 2023، وتقدمت بطلب الترخيص بعد أربعة أشهر، مع سداد الرسوم المقررة. وأوضح أن المجلس وعد في البداية بمراجعة الطلب والبت فيه في أقرب وقت ممكن، لكنه لم يصدر قرارًا لأكثر من عام.
وفي سبتمبر 2024، تلقت الشركة خطابًا برفض الطلب، استند إلى عدم وضوح ثلاث سياسات تتعلق بالتمويل والنشر والتأمين.
وقال صلاح لموقع «المنصة» إن الشركة تواصلت مرارًا مع المجلس خلال تلك الفترة، لكنها لم تتلقَّ ردًا رسميًا. وأضاف أنه بعد وصول قرار الرفض، تواصلت الشركة مجددًا مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وأوضحت أن نموذج طلب الترخيص لم يوفر مساحة كافية لإدراج جميع التفاصيل المطلوبة.
وفي أكتوبر 2024، اتفق الطرفان على أن تقدم الشركة مذكرة توضيحية تتضمن تفاصيل أكثر بشأن السياسات الثلاث. وبعد شهرين، دعا المجلس ممثلي الشركة إلى لقاء أحد مسؤوليه.
وأوضح صلاح أن الاجتماع تناول المذكرة، وأن ممثلي الشركة أكدوا استيفاء مستندات الطلب وإجراءاته، مشيرًا إلى أن عدم كفاية التفاصيل الواردة في السياسات لا يشكل، في حد ذاته، سببًا قانونيًا كافيًا لرفض الطلب.
لكن الاجتماع لم يسفر عن أي نتيجة، ولم تتلقَّ الشركة ردًا منذ ذلك الحين، رغم تواصلها الدوري مع المجلس.
وامتنعت الشركة قرابة عامين عن اتخاذ إجراءات قانونية، على أمل تسوية الأزمة عبر الحوار، كما قدمت مذكرة إلى نقابة الصحفيين طالبتها بالتدخل إزاء التأخر الطويل في حسم الطلب.
وقال صلاح إن الشركة تستعد حاليًا، عقب صدور الحكم ضد عطا الله، لإعداد مذكرة وبدء إجراءات قانونية لتسوية الوضع القانوني للموقع.
وامتد الاهتمام بالأزمة إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان؛ إذ ناقش المجلس، خلال اجتماعه الشهري الأربعاء، أوضاع المواقع الإخبارية التي تسعى إلى تقنين أوضاعها القانونية، وفقًا لبيان نشره على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك.
وأشار المجلس إلى عزمه مواصلة المشاورات مع الجهات الرسمية، ومن بينها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الصحفيين، لبحث سبل معالجة الأزمة.
خلاف دستوري حول حق إصدار الصحف وترخيص المواقع
لا تقتصر الأزمة على التأخر الإداري، بل تمتد إلى خلاف دستوري بشأن مدى توافق بعض أحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام مع الضمانات الدستورية لحرية الصحافة، ولا سيما الحق في إصدار الصحف ونشرها دون قيود أو موافقة إدارية مسبقة.
وقال محمد سعد عبد الحفيظ، وكيل نقابة الصحفيين، إن القانون يتعارض مع الدستور الذي يكفل حق إصدار الصحف بمجرد إخطار الجهات الإدارية، دون اشتراط الحصول على ترخيص مسبق.
واستشهد عبد الحفيظ، في منشور عبر حسابه على فيسبوك، بحكم سابق للمحكمة الدستورية العليا قضى بعدم دستورية القيود أو الشروط التي تفرض الحصول على موافقة إدارية لإصدار الصحف بعد الإخطار.
كما اعترضت نقابة الصحفيين على آلية إدارة إجراءات الترخيص. ففي الثلاثاء، قدم خالد البلشي، نقيب الصحفيين، مذكرة إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، رصد فيها ما وصفه بمخالفات إجرائية في التعامل مع طلبات الترخيص.
وتنص اللائحة التنفيذية للقانون وقواعد الترخيص التي أقرها المجلس على ضرورة إخطار المتقدمين في حال نقص المعلومات أو المستندات المطلوبة، حتى يتسنى لهم استكمالها. كما تلزم المجلس بالموافقة على الطلبات أو رفضها خلال 90 يومًا، وإخطار أصحابها بالقرار عبر خطاب مسجل بعلم الوصول.
واعتبر البلشي أن عدم الرد على الطلبات أو عدم إخطار أصحابها رسميًا بالقرارات الصادرة بشأنها يمثل مخالفة إجرائية تنتقص من حقوق المتقدمين. وشدد على ضرورة تسوية النزاعات المتعلقة بالتراخيص عبر الإجراءات القانونية المقررة، بدلًا من اللجوء إلى الملاحقات الجنائية.
وعقب الحكم الصادر ضد عطا الله، أصدر البلشي بيانًا آخر طالب فيه بوضع قواعد ترخيص واضحة وشفافة وعادلة، ومنح المؤسسات الصحفية فرصة لاستكمال طلباتها، ووقف الملاحقات القضائية المرتبطة بالتراخيص، ورفع الحجب عن المواقع الإلكترونية، وإقرار متطلبات تتناسب مع طبيعة الإعلام الرقمي. كما دعا إلى فتح حوار مؤسسي بين المجلس والنقابة.
اتهامات بانتقائية منح التراخيص ودفاع المجلس عن إجراءاته
أثارت التساؤلات بشأن اختلاف تعامل منظومة الترخيص مع المؤسسات الصحفية مزيدًا من الجدل حول غياب القرارات في المواعيد المحددة.
ولم ينشر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إحصاءات رسمية بشأن عدد المواقع والطلبات التي حصلت على تراخيص منذ دخول القانون حيز التنفيذ عام 2018. غير أن مراجعة البيانات المنشورة على الموقع الإلكتروني للمجلس تكشف حصول 76 موقعًا على تراخيص جديدة، إلى جانب الموافقة على 11 طلبًا، خلال الفترة من يونيو 2019 إلى أكتوبر 2026.
كما قننت 100 منصة إخبارية كانت تعمل بالفعل أوضاعها القانونية خلال عام 2022، وانضمت إليها ثلاثة مواقع أخرى خلال الشهر الجاري، ليصل إجمالي المواقع التي سوت أوضاعها إلى 190 موقعًا على مدار سبع سنوات.
وفي المقابل، تقول مؤسسات صحفية مستقلة إن طلباتها ظلت معلقة لسنوات، بينما حصلت بعض المواقع والمنصات الإخبارية التي يُنظر إليها باعتبارها قريبة من السلطات على تراخيص خلال أشهر قليلة من إطلاقها وتقديم طلباتها.
ووصف يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، إجراءات الترخيص بأنها أصبحت أكثر «انتقائية».
وقال قلاش لموقع «المنصة» إن المؤسسات التي أُنشئت لحماية حرية الصحافة واستقلالها تحولت، بدلًا من ذلك، إلى جهات رقابية وأدوات في يد السلطة التنفيذية.
وأضاف أن الحصول على تراخيص إصدار الصحف والمواقع الإلكترونية كان أسهل بكثير قبل صدور قانون 2018، خلال ما عُرف آنذاك باسم «ديمقراطية الهوامش». واعتبر أن المعيار الأساسي لحرية الصحافة هو حرية النشر، واصفًا القيود المفروضة عليها بأنها اعتداء على دستور ينبغي السعي إلى تطبيق نصوصه دون إفراغها من روحها.
من جانبه، قال محمد الجارحي، عضو مجلس نقابة الصحفيين، إن استمرار تعليق طلبات الترخيص لفترات طويلة يعرّض المؤسسات الإخبارية لما وصفه بـ«الخطر القانوني».
وأوضح الجارحي للمنصة أن المشكلة لا تتعلق فقط بالوقت الذي يستغرقه إصدار التراخيص، بل بالنمط الواضح الذي يترك بعض المواقع عالقة في دائرة الانتظار التنظيمي، رغم تقديم المستندات المطلوبة واستكمال الإجراءات اللازمة، بينما تحصل مواقع أخرى ذات توجه تجاري على التصاريح بسهولة نسبية.
في المقابل، دافع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عن إجراءاته. وقال عبد المحسن سلامة، عضو المجلس ونقيب الصحفيين الأسبق، إن المجلس نشر القواعد والمعايير المنظمة لطلبات الترخيص على موقعه الرسمي.
وأضاف سلامة للمنصة أن لجنة فنية متخصصة تتولى مراجعة الطلبات، والتحقق من استيفائها للشروط، وإعداد تقارير تُعرض على المجلس قبل إصدار القرار النهائي.
وأكد سلامة دعمه لحرية الرأي والتعبير، مشيرًا إلى أنه سيطرح على المجلس ضرورة الإسراع في البت في الطلبات المعلقة.
وبالنسبة إلى المؤسسات الصحفية المستقلة التي لا تزال تنتظر قرارات بشأن طلباتها، يعني استمرار تعليق التراخيص مواصلة العمل تحت تهديد الملاحقة القضائية، رغم سنوات من محاولات الالتزام بالقانون.
ودعا صحفيون وممثلون عن النقابة ومدافعون عن حقوق الإنسان مرارًا المجلس إلى معالجة تراكم طلبات الترخيص المتأخرة. لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه المطالب ستدفع إلى حسم الطلبات المعلقة، أو ستمنع إقامة قضايا جنائية جديدة ضد رؤساء التحرير والناشرين.
https://almanassa.com/en/stories/34733

